المقريزي

26

إمتاع الأسماع

رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم المدينة بشر كثير ، كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويعمل مثل عمله ، فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة ، فولدت أسماء بنت عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أصنع ؟ فقال : اغتسلي واستشفري بثوب ، وأحرمي . فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، ثم ركب القصواء ، حتى إذا استوت بها ناقته على البيداء ، نظرت إلى مد بصري ، بين يديه من راكب ، وماش ويمينه مثل ذلك ، وعن يساره مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا ، وعليه ينزل القرآن ، وهو يعرف تأويله ، وما عمل من شئ عملنا به ، وأهل بالتوحيد : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد ، والنعمة لك والملك ، لا شريك لك ، وأهل الناس بهذا الذي يهلون به ، فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم شيئا منه ، ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته . قال جابر : لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة ، حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن ، فرمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم نفذ إلى مقام إبراهيم ، فقرأ : ( واتخذوا من مقام إبراهيم [ مصلى ] ) ، فجعل المقام بينه وبين البيت ، فكان أبي يقول - ولا أعلمه ذكرها إلا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ : ( قل هو الله أحد ) ، و ( قل يا أيها الكافرون ) ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا ، قرأ : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) ، فبدأ بما بدأ الله به ، فبدأ بالصفا ، فرقى عليها حتى رأى البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله عز وجل ، وكبره ، وقال : لا إلا إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شئ قدير ، لا إلا إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده . ثم دعا بين ذلك ، قال مثل هذا ثلاث مرات ، ثم نزل إلى المروة ، حتى انصبت قدماه في بطن الوادي ، حتى إذا صعدنا ، مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، قال : لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ، لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة ، فقام